وهبة الزحيلي

155

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وفسّر القرطبي الآية بأنه لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في أي مكان في العالم العلوي ( السماوات ) والسفلي ( الأرض ) جاء اللّه بها ، حتى يسوقها إلى من هي رزقه ؛ أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض ، وعن اتّباع سبيل من أناب إلي . ومن هذا المعنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن مسعود فيما رواه البيهقي في القدر ، وهو ضعيف : « لا تكثر همّك ، ما قدّر يكن ، وما ترزق يأتك » . وقد نطقت هذه الآية بأن اللّه تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ؛ سبحانه لا شريك له . 9 - في الآية تعظيم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا يشمل جميع الطاعات والفضائل ، والحضّ على تغيير المنكر والصبر ، وإن نال الإنسان ضرر ، وفيه إشعار بأن المغيّر يؤذى أحيانا . كما أن الصبر مندوب إليه عند التعرض لشدائد الدنيا كالأمراض وغيرها ، وعلى الإنسان ألا يخرج من الجزع إلى معصية اللّه عزّ وجلّ ، فإن من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره . وإن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور ، أي مما عزمه اللّه وأمر به ، وجعله من الأمور الواجبة . 10 - دلّ قوله تعالى : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ على تحريم التكبر ، ومعنى الآية : ولا تمل خدك للناس تكبرا عليهم ، وإعجابا بالنفس ، واحتقارا لهم ، وأقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا ، وإذا حدّثك أصغر الناس ، فاصغ إليه حتى يكمل حديثه ، كما كان يفعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والخلاصة : لا تدبر عن المتكلم ، كما روى مالك عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا ، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » فالتدابر والإعراض وترك